صديق الحسيني القنوجي البخاري

72

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال اليهود : إن شيلو الذي هو عبارة عن المسيح المزمع بالإتيان ، وأنه لم يأت بعد لعدم وقوع الشرط لأن شرط ظهوره زوال السلطنة والنبوة منهم وقد زالت النبوة ، لكن السلطنة لم تزل لأن بعض الممالك البعيدة عنا يوجد فيها منهم ملوك لم تبلغ إلينا أخبارهم ، وأجيب بأن الواو في قوله : لا تزول السلطنة ولا واضعي الناموس للجمعية ، فلا يمكن زوال أحدهما وبقاء الثاني وأن الأرض كلها محددة من مجاري 65 درجة من الجنوب إلى جزيرة مندوسة ومن 81 درجة من الشمال من جزيرة سلامة إلى آخر ممالك الفرنج ، وليس فيها بقعة مجهولة ، وكذا الجزائر فالاعتراف بأن فيها مملكة تكون فيها ملوك وأمم مجهولة محمولة على الجهالة وهو ممنوع . فمن أين حصل لكم العلم بهذا المجهول ؟ فينتقض اعتراضهم ، وإذا تحقق لك ذلك ، فاعلم أنه عليه السلام قيد زوال السلطنة والنبوة لظهور شيلو وصيرورة عوام الناس إليه وقوله حتى يأتي شيلو يدل على أنه لا بدّ للملك والنبوة بعد ظهوره أن تزولا من اليهود وتنتقلا إلى غيرهم وهم العرب ، وقال اليهود : إن كان صحة ظهور شيلو التجاء عوام الناس إليه فلا يمكن أن يظهر شيلو ، ولا تلجىء عوام الناس إليه ، لكن عيسى ابن مريم قد خرج ولم تلتجىء عوام الناس إليه ، فعيسى ابن مريم ليس بشيلو . وأجيب عن ذلك بمنع الصغرى ، لأن قوله : وتصير عوام الناس إليه أي إلى أمره وكلامه ، وقد اتبع عوام الناس أمره في تبشيره بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه إشارة إلى أن الذين ينقادون إلى شريعته صلى اللّه عليه وسلم ، هم عوام الناس ، أي ليسوا بيهود كالعرب والفرس والروم والهنود والسنود وحبشة وبعض أهل الصين ، وأما اليهود فمنهم من يؤمن به ، ويصير إلى كلامه ، ويتبع محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، ومنهم من يمكث راكسا في بحيرة جهله وهواه ، لأن إثبات الشيء لا ينفي ما عداه ، فخلاصة هذا أن موسى عليه السلام قد نقل عن يعقوب أنه قال : لا تزول السلطنة والنبوة عن أولاد يهودا حتى يخرج شيلو ويبشر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويؤمن به عوام الناس ، ويستعبروا كلامه ، وبعد ذلك تستقر المملكة والنبوة المتباينتان في قبيلة أخرى ، وهي العرب ، لما مر في هذا البرهان ، وفي اجتماع كلتا الصفتين في ذاته صلى اللّه عليه وسلم إشارة إلى تبجيله . وفي نشيد الإنشاد : هذا صوت محبوبي فإنه أتى يقفز على الجبال ويظفر على الأتلال ، إن محبوبي كالغزال ، أو كخشف الأوعال ، هذا هو واقف خلف جدارنا يطل من الكوة ، ويظهر نفسه من الشباك ، فكلمتني محبوبتي وقالت لي : قم يا محبوبي وجميلي ، وتعال ، فإن الشتاء قد مضى ، والمطر قد انقضى ، وظهر الزهر على الأرض ، وقرب زمان الترنم ، وقد سمع صوت اليمامة في أرضنا ، وأبدت الظمخة تبنها ، والكرمة عنبها الغض ، فقم يا محبوبي وجميلي وتعال . انتهى .